أخبار العالمأخبار محلية

محمد يعقوب محمد يكتب :- بُرُوف فَرَح .. كَانَ نَجْمَاً فَهَوَى ٰ (1-5)

كانت الساحة العامة بالبلاد تضج بالاحداث وثورة الإنقاذ في بداياتها بشرخ شباب من نوع خاص .. تمور هي الأخرى بأحداث وأحداث، وتجربة الحكم الاتحادي لتوها طفلة غريرة لم تكمل عامها الأول ويطعمها نطاس التجربة دكتور علي الحاج بأفكارٍ شهية كلما هز جذعها تساقطت اليه أفكارا كأنها رطبا جنيا يغزي بها الروح ليقوى على التحدي الذي أحال أرض السودان لــ (٢٦) ولاية .. وكل ولاية كانت بها حكومة تتكون من والياً وخمس وزراء فضلاً عن المجلس التشريعي والواجهات الأخرى .. ثم أن مولد الولايات ذات نفسه لم يك أمراً يسيراً فقد جاء بعد مخاضٍ عسير خاض فيه اخوتنا الأوائل -وبروف فرح أحدهم- ما خاضوا ونافحوا ما نافحوا فكانت الولايات التي شكلت الحكم الاتحادي الذي بتنا نتفيأ ظلاله حتى الآن .. ولا أحد يذكر من قاسوا ومن هجروا .

في ذاك العام كان بزوغ نجم الحكم الاتحادي ثم جيئ بالوزراء الولائين وكان قدر كاتب المقال وهو بعد حديث عهدٍ بالتخرج من الجامعة والالتحاق بالحكومات المحلية ضابطاً إدارياً أن يكون أحد أؤلئك الذين شهدوا وكانوا حضورا فضلا عن أنه كلف بأن يكون مديراً تنفيذياً لمكتب وزير المالية بولاية غرب كردفان تلك التي لم يك مولدها يسيرا شأنها شأن ولاية سنار والنيل الأبيض ولكن لوجود رجالٍ في قامة بروف محمد فرح جبريل سرعان ما إستدب أمرها وأستقر شأنها لأن البدء كان بالفهم والعلم والتخطيط السليم عبر ورقة كتبها هو تحت اسم ولاية (غرب كردفان وآفاق وفرص الإستثمار) كأول ورقة علمية تقدم على مستوى السودان بولاياته الست وعشرون وفق منهج علمي يؤسس لواقع يطمح فيه وبه وإليه كل حاكم ومحكوم في أي رقعة كانت .. كيف لا وهو ابن تلك الضفاف التي يعرفها وتعرفه .

طلب السيد وزير المالية من مدير مكتبه (كاتب المقال) أن يتواصل مع البروفيسور محمد فرح جبريل وان يكون التواصل مباشراً حتى ترى الورقة النور وبعدها يحدد موعدا لقيام مؤتمر تنمية الولاية .. كان تكليفاً صعباً لشابٍ حديث التخرج وحديث عهد بالوظيفة ، ولكن كانت الإرادة متوفرة .. فسأل وأين أجد بروف فرح في جامعة الخرطوم؟؟ فقال الوزير :-
(تمشي جامعة الخرطوم وتقيف أمام مكتب القبول وتتجه غربا على يمينك معهد الدراسات الإضافية، وعلى يسارك تجد لافتة مكتوب عليها معهد الدراسات الاقتصادية والإجتماعية ، ادخل هناك بتلقى بروف فرح) .
وقد كان .

كان عام ١٩٩٤ يلفظ أنفاسه الأخيرة وعام ١٩٩٥ يشرئب بعنقه في تحدٍ سافر وشمس ذاك اليوم تبدو وكأنها منتقمة من الجميع ، أو أنها تعلن حدادها هي الأخرى على شيءٍ لم يؤلف بعد فقد اصبحت بعد ذلك كل الأشياء لا تشبه الأشياء إلا ما ندر بعد أن تعلم الكل أبجديات شراهة ممارسة الحكم .

دخلت المعهد ولم ابحث كثيرا عن ضالتي فقد وجدت محمد فرح جبريل شاب أربعيني طويل القامة وسيم الطلعة تزين وجهه إبتسامة وضاءَة ويُزين حديثه عَدَم تكلف بَاين لا يشبه العلماء من أمثاله الذين يزيدهم العلم غرورا وغرور .. ولكن (فرح) كان بسيطاً في كل شيء، استقبلني بطريقة مازالت راسخة في ذهني وكأنها حدثت للتو، ثم جيئ بالشاي ومن حينها ووقتها وساعتها ربطت بين روحينا علاقة حبٍ من نوع خاص أضحى أسريا وتمدد أواصره مع الأيام .

تكررت زياراتي للبروف وتوضدت علاقتي به وتشاء الأقدار أن شرعنا بعد عام ونيف في الدراسات العليا بجامعة الخرطوم وكان حينها عددنا قليل جدا لا يتجاوز اصابع اليد الواحدة ومع ذلك كاث ثلاثة منا أصدقاء مشتركين القاسم بيننا (بروف فرح) .. الكتور أحمد عبدالله عجب الدور مدير جامعة كردفان السابق .. والدكتور أبوالقاسم قور الأب المؤسس لمراكز ثقافة السلام بالجامعات السودانية .. وشخصي الضعيف .. إلى جانب الإخوة الأفاضل طيب الذكر محمد سليمان قور .. وطيب الذكر الأستاذ نمر بابو .. فضلا عن اخوتنا الكبار الذين جعلوا من كل ذلك ممكناً .. الأستاذ الخير الفهيم المكي والعم حسن صباحي والدكتور عيسى بشرى وطيب الذكر محمود محمد ساغة.

كانت مجموعة طيبة لا يجمع بيننا سوى الحب فأطلق البروف ابو القاسم قور -وهو كما العهد به دوما بارعا في الإنتقاءات الآسرة في تسمية الأشياء- .. فأطلق عليها اسم منتدى (القشاية والتراب) .. وكان “العفوس” هو الصديق المدلل الذي يشاركنا الرضا ،، وحين نتناوله غداءً تتقوى أبداننا ونطفق بسخاءٍ نحو فعل جديد .

ثم أنشئت جامعة غرب كردفان فكان أول وكيل لها بل وكيلاً مؤسساً .. وانتقل إلى جوار ربه محمود محمد ساغة ثم تبعه محمد سليمان قور ثم تبعه نمر بابو .. وذهب البروف عجب الدور إلى جامعة كردفان مديراً .. وتبعثر شملنا ولكن أضحى الحب والذكرى كائنين يتحركا بلطفٍ بيننا إلى أن قامت الحرب وتفرقنا .. هو لا يحب السفر خارج الوطن وظل محباً لوطنه وفياً قابعاً فيه منذ أن تخرج في جامعة الخرطوم بدرجة الامتياز في منتصف سبعينيات القرن الماضي حينما كان الاغتراب حلماً لأغلب أبناء جيله .. ظل هو وفيا لوطن عظيم اسمه السودان .. ولكن تشاء إرادة المولى عز وجل أن تصعُدَ رُوحَه إلى بارئها راضية مرضية في نهارِ الجمعة ٢٨ رمضان ١٤٤٦ هـ بدولة يوغندا وعند عاصمتها كمبالا ليوارى الثرى هناك ويأتيني الناعي عند العصر وعلى عتبة باب المسجد، حيث رن جرس الهاتف.. فقررت أن اغلقه أو أضعه في الصامت .. ولكن حينما تأكد لي من المفتاح أنه إتصال دولي ومن يوغندا توقفت قليلاً وكنت على يقينٍ أنه محمد فرح جبريل (أبو الزهراء) ، فجاءني الصوت فاترا من الطرف الآخر والعبرة تخنقه يا ….. بروف فرح مات .

لا اله إلا الله وحده لا شريك له.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ثمانية أيام وأنا أغالب الحزن والدموع ولم أستطع حتى الحديث إلى أخي قور ولا عجب الدور لأعزيهما ولم أستطع أن أكتب كلمة عنه .. ثمانية أيام وصوت الناعي يُحدثُ صدىً في أذني ورهبة الموت تلجم لساني .. فحقاً بروف فرح كان نجماً فهوى .

وصدق الله العظيم حين قال في محكم التنزيل الآية (٨) من سورة الجمعة {قُلْ إِنَّ اَ۬لْمَوْتَ اَ۬لذِے تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَيٰ عَٰلِمِ اِ۬لْغَيْبِ وَالشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَۖ}.

القاهرة
الجمعة ٤ ابريل ٢٠٢٥م


Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى