أخبار العالمأخبار محلية

دكتور عبد الناصر سلم يكتب : صراع المدنيين والعسكر…السودان إلى أين؟

كبير الباحثين ومدير برنامج شرق أفريقيا والسودان فوكس ( السويد)

تبدو مآلات الوضع الحالي في السودان ،نتيجة للحرب التي اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع في يوم 15/4/2023، كارثية ومفتوحة على كل الاحتمالات ، مالم تتم تسوية عبر المفاوضات بين طرفي النزاع.

فالحرب الدائرة الآن في السودان غير مسبوقة من حيث المسببات والوقائع على الأرض ،لجهة أن الطرفين المتصارعتين يمثلا أكبر قوتين عسكريتين في البلاد، وكانا يشكلان معاً قبل اندلاع الحرب في أبريل من العام الماضي ،جناحي المكون العسكري في السودان.

فقوات الدعم السريع تعتبر من الناحية القانونية تابعة للقوات المسلحة، وتأتمر بأمر القائد العام للجيش.
وقد أتيحت لقوات الدعم السريع المشاركة بفعالية في حرب اليمن ،ماجعلها تكتسب خبرات قتالية حقيقية،فضلاً عن حصولها على مدرعات صرصر الإماراتية وتدريب تلقته من فاغنر الروسية،
علماً بأن الجيش السوداني كان يعتمد على هذه القوات كقوات مشاة منذ اندلاع حرب دارفور في العام 2003م.

لكل هذه العوامل ،ولمايمتلكه الطرفان من قدرات عسكرية ،عزز ذلك من احتمال استمرار الحرب لفترة زمنية أطول، الأمر الذي يجعل تداعياتها كارثية على الدولة والمجتمع في السودان ،بل وعلى دول الجوار وكل دول الإقليم ، حيث يهدد استمرار هذه الحرب ونتائجها الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء، وذلك بسبب موقع السودان الجيوإستراتيجي ومساحته الشاسعة.

عقب الاطاحة بنظام عمر البشير في 11 أبريل 2019 ، عبر ثورة شعبية انحاز لها الجيش ،
وتوقيع القوى المدنية في 17 أغسطس 2019 ،لاتفاق تقاسم السلطة مع القوات المسلحة، من خلال فترة انتقالية ،تفضي إلى انتخابات عامة ،كما حدث في العهود السابقة.
وتم تعيين الاقتصادي عبد الله حمدوك المسؤول السابق في الأمم المتحدة على رأس الحكومة كرئيس للوزراء.
ثم توصل السلطات الانتقالية في
31 أغسطس 2020 م ،إلى اتفاق سلام مع بعض الحركات المسلحة من إقليم دارفور المضطرب غرب البلاد ،ومن المناطق الجنوبية في جنوب كردفان والنيل الأزرق.

كان المؤمل أن يحدث استقرار طويل المدى للحكم ،تحل فيه كل مشاكل السودان ،ويحدث فيه استقرار وتنمية مستدامة لماتملكه البلاد من موارد هائلة مثل الإمكانيات الزراعية الكبيرة والثروة الحيوانية والذهب وسواها ،مع موقع جيواستراتيجي مهم في الإقليم.

لكن سرعان ما دخلت البلاد في أزمة كبيرة مع انسداد الأفق.

فالقوى المدنية حدث بينها انقسام كبير.
ومع هذا الوضع المحتقن ،أطاح قائد الجيش ،الفريق أول ركن ،عبدالفتاح البرهان ،بشركائه المدنيين في 25 أكتوبر 2021 م.

انفجرت الحرب حول السلطة والثروة بين الجيش وقوات الدعم السريع ،بعد الخلاف حول دمج الدعم السريع في الجيش الذي أشار له الاتفاق الاطاري.
فبينما أصر قائد الدعم السريع على عشر سنوات، تمسك قائد الجيش بمدة عامين لاغير.
أيضاًالأمر الخطير الذي اشتمل عليه الاتفاق الاطاري أو تجاهله خاصة بعد التغيير الذي حدث في ديسمبر 2018 م، وماتلاه من ترتيبات الفترة الانتقالية ،وصولا للانتخابات، هي مسألة”الاصلاح الأمني والعسكري”، والتي تشمل من ضمن ذلك ،الترتيبات الأمنية لحل الدعم السريع وغيرها بالإضافة لجيوش الحركات المسلحة، بحيث يتم بناء الجيش القومي المهني.

لكن الاتفاق الإطاري الذي وقع عليه قائدا الجيش والدعم السريع كرّس وجود الدعم السريع ضمن الأجهزة النظامية.
وضم قادة الدعم السريع وحركات الكفاح المسلح وقادة الأجهزة النظامية لمجلس الأمن والدفاع القابض الفعلي على السلطةعلى الرغم من التغيير الذي حدث في البلاد.
وكذلك دمج الدعم السريع في القوات المسلحة واعتبارها قوات عسكرية تتبع للقوات المسلحة ويحدد القانون أهدافها ومهامها ويكون رأس الدولة قائداً أعلى لقوات الدعم السريع.
في الوقت نفسه تحدث الاتفاق الاطاري عن جيش مهني قومي ملتزم بواجباته في حماية حدود الوطن والدفاع عن الحكم المدني الديمقراطي فيما صمت الاتفاق الاطاري ولم يتحدث عن ضم شركات الدعم السريع لولاية وزارة المالية مع شركات الجيش والأمن والشرطة.

على صعيد القوى المدنية.
لقد عادت الأحزاب لعادتها القديمة ،في سياق أخطاءتاريخية إستراتيجية ظلت سمة متكررة، تسببت مرارا بهدم التجارب الديمقراطية.
إن عملية التحول الديمقراطي الحقيقية، هي عملية معقدةتتطلب تحولات في آليات الحكم ،بحيث تستلزم تغييرات مجتمعية شاملة وحقيقية على مختلف الأصعدة البنيوية والأطر التشريعية، للترسيخ لثقافة الديمقراطية ومؤسساتها وممارساتها وأساليب عملها.
لكن للأسف ظلت التجارب الديمقراطية عرضة للقضاء عليها من العسكريين، نتيجة للصراع الحزبي وعدم تقديم الهم الوطني على المكاسب الذاتية الضيقة للأحزاب.
حدث ذلك في يوم 17 نوفمبر 1958، ونتيجة للصراع السياسي بين حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي ،سلّم حزب الأمة السلطة للجيش، الذي دخل لأول مرة متاهات السياسة ،بعد ان كان بعيداً عنها ولا ينشغل بأمورها.
وفي عام 1964 عقب اندلاع ثورة شعبية ،أدت إلى سقوط حكم عبود. دخلت الأطراف السياسية في حلقة جديدة من الصراعات على السلطة استمرت أربع سنوات.
لينفذ بعدها مجموعة “الضباط الأحرار” بقيادة الضابط جعفر محمد نميري انقلاباً عسكرياً، بعد فترة من الأزمات السياسية والمؤامرات والتحالفات المتهافتة على السلطة بين الأحزاب المدنية.
ثم اخيراً تفجرت الحرب الدائرة حالياً ضمن هذا السياق والعوامل الجديدة التي ذكرناها هنا، لينفجر الوضع كما هو الآن.

لقد صعّدت هذه الحرب من الخطابات القبلية والمناطقية.
ومع طول أمد الحرب تصاعدت هذه النعرات القبلية والمناطقية بشكل مخيف .
ومع محاولات الحسم العسكري يضاف له عامل التدخل الخارجي ،باتت البلاد الآن يهددها شبح التقسيم والتشرزم ،بل ربما تنزلق إلى فوضى شاملة يصعب بعدها اقناع السودانيين بخطاب الوحدة أو إعادة الأمور إلى ماكانت عليه في السابق.
إن بقاء الدولة السودانية بشكلها الحالي بات مهدداً تهديداً وجودياً.
وفي حال حدوث ذلك ،سيضع منطقة شرق أفريقيا ووسطها في دوامة عنيفة تطال الجميع.
إن الاستقطابات بين القبائل العربية والأفريقية وعبرها في شرق البلاد وغربها، والوضع في شرق البلاد والمناطق الأخرى ،مع إصرار أطراف الصراع على الحسم العسكري، في ظل تدخلات خارجية ذات أطماع في ثروات السودان، سينفتح الطريق في ظل حالة الفوضى لتمدد الجماعات الإرهابية المسلحة المتطرفة مع احتمالات أخرى بتكوين جماعات عرقية محلية وإقليمية عابرة للحدود ،وهو أمر يهدد كامل المنطقة ودول جوار السودان والأمن الدولي كذلك.
إن السعي لإنهاء هذه الحرب يجنب السودان التفتت والتقسيم ويحافاظ على الأمن الإقليمي والدولي.
ونشير هنا لأمر مهم هو أن الكتلة المدنية التي يفترض أن تحكم البلاد بحيث تحدث تجربة ديمقراطية تحقق الاستقرار ،باتت الآن موزعة في دعمها وولائها لطرفي الحرب.
وأضحى وجود المدنيين المستقلين الذين يُعَوّل عليهم في أخذ زمام المبادرة قلة غير مؤثرة على الإطلاق ،في ظل مناخ الحرب والاصطفاف بين طرفي الحرب التي دمرت البنيات التحتية وشردت ملايين السودانيين إلى داخل وخارج البلاد،وهو أمر يفاقم من تعقيد الأزمة ويعقد إيجاد حل حقيقي.


Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى