دكتور عبد الناصر سلم يكتب : الولايات المتحدة تحزم أمرها لإنهاء حرب السودان

د.عبدالناصر سلم
مدير برنامج شرق أفريقيا والسودان وكبير الباحثين في فوكس
تباطأت الولايات المتحدة كثيراً في إعلان موقف حاسم تجاه الحرب المدمرة في السودان التي اندلعت في 15 أبريل 2023 ،بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه العسكرية ،والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف وأجبرت ملايين السودانيين على النزوح إلى داخل وخارج السودان بعد دخول الصراع عامه الثاني .
موقع جيوإستراتيجي
يتميز السودان بموقعه الجيوإستراتيجي في المنطقة ،وبالإضافةلمساحته الشاسعة،يحوز السودان على ثروات زراعية وحيوانية كبيرة ويعتبر الدولة الثالثة من حيث إنتاج الذهب في أفريقيا.
ومع ذلك يمتلك ثروات أخرى لم تتم الاستفادة المثلى منها، نتيجة لفشل الحكومات المتعاقبة منذ استقلال السودان عن بريطانيا في العام 1956 م.
وفي ظل أزمة الغذاء العالمية وندرة المياه ،وبسبب الموقع الإستراتيجي للسودان ،
وبحكم موقعه المهم لكبح جماح الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.
فتح كل ذلك أطماع دول كبرى وإقليمية مثل روسيا والصين وغيرهما ،لمحاولة إيجاد موطئ قدم ونفوذ لتحقيق مصالح اقتصادية وحتى عسكرية في هذا البلد.
*ثروات هائلة
وفقاً للباحث المتخصص في الشؤون النفطية ،السر سيد أحمد السيد ،
تمثِّل مساحة الأراضي القابلة للزراعة في السودان، حتى بعد انفصال جنوبه، نحو 40 في المئة من إجمالي الأراضي القابلة للزراعة في المنطقة العربية، لكن معظمها مهمَل.
فمن أصل 170 مليون فدان صالحة للزراعة يُستخدم ما لا يتجاوز ربعها، أي 40 مليون فدان، سواء في الزراعة المطرية أو المروية.
وعلى الرغم من انفصال جنوب السودان الذي حمل معه أكثر من ثلثي الاحتياطيات النفطية المعروفة في السودان، وأكثر من 70 في المئة من الغطاء الغابي في البلاد، إلا أن مساحة الأراضي القابلة للزراعة لم تتضرر كثيراً، إذ كانت في حدود 200 مليون فدان (الفدان يساوي 4200 متر مربع)، وتراجعت إلى 170 مليوناً، مما يعني أن أحد موارد البلاد الأساسية، المتمثل في تلك الأراضي، لم يتأثر بالزلزال السياسي والاقتصادي الناجم عن الانفصال.
كما أن هذه المساحة تمثل نحو 40 في المئة من حجم الأراضي القابلة للزراعة في المنطقة العربية.
يبقى أن الأراضي المستغَلة فعلاً في السودان تتراوح بين 35 مليون إلى 37 مليون فدان فقط وذلك في الزراعة المطرية، وما يزيد على ثلاثة ملايين فدان في الزراعة المروية، الأمر الذي يشير إلى حجم الموارد الكبيرة التي يمكن الاستفادة، منها خاصة مع جوار سبع دول تُوفِّر كثافة سكانية ذات احتياجات متنامية للغذاء.
لكن بالمقابل، أدى غياب الرؤية والإرادة السياسية وتضارب القرارات إلى جعل الزراعة لا تحتل المكانة التي تستحقها في هذا البلد الغني بإمكانياته الطبيعية من أراضٍ ومياه.
بل حتى أنه عندما توفرت الموارد المالية بسبب ارتفاع عائدات الإنتاج النفطي التي استمرت عقداً من الزمن، ودخلت خزينة الدولة مبالغ بالعملات الصعبة تقدر بحوالي 35 مليار دولار، هي الأكبر في تاريخ السودان، لم يتم استغلالها في دعم القطاعين الزراعي والحيواني اللذين تشير إليهما الدعاية الرسمية بأنهما “نفط السودان الدائم”.
لم توظف في مشاريع البنية الأساسية، مثل شق القنوات وتهيئة الأراضي للاستغلال الزراعي وتوفير البذور والماكينات الزراعية، إلى جانب بناء المسالخ وتوفير الخدمات البيطرية””.
* التمدد الروسي
ومع احتدام النزاع العسكري في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، وفي ظل تمدد الدعم السريع وتقدمه عسكرياً ، اضطرت قيادة الجيش السوداني إلى محاولة إحياء الاتفاقيات العسكرية السابقة والتي أبرمها الرئيس المخلوع عمر البشير الذي كانت تربطه علاقات عسكريا مع روسيا وإيران وحتى كوريا الشمالية.
يطمع الجانب الروسي في إيجاد موطئ قدم عسكرية على ساحل البحر الأحمر ،وهذا ماوعدهم به قائد الجيش الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان.
وبحسب مصادر إعلامية فإن تفاهمات قد حدثت أخيراً لإبرام صفقة تشمل فتح خطوط تسليح ثقيل للجيش السوداني بمافيه الطائرات المقاتلة والدبابات والمدفعية.
والإضافة للحصول على المسيرات الإيرانية التي جربتها روسيا في حربها على أوكرانيا.
وفي مقابل ذلك تبني روسيا قاعدة بحرية على البحر الأحمر ضمن حلف يشمل روسيا وإيران والصين وكوريا الشمالية ،وهذا بحد ذاته يمثل إمتداداً للمواجهة بين هذا الحلف الذي يقاتل حلف الناتو في أوكرانيا.
ويمثل دخول السودان في هذا الحلف خسارة فادحة للولايات المتحدة الأمريكية.
فالسودان بموقعه الخطير وثرواته الهائلة ،يمثل شريان حياة لروسيا في حربها مع أوكرانيا ودعماً كبيرا لهذا البلد في رحلة صراعه مع حلف الناتو أو صراع النفوذ والمصالح حول العالم.
*تاريخ العلاقات الأمريكية السودانية
ظلت العلاقات السودانية الأمريكية تمر بفترات مد وجزر طوال تاريخها طوال تاريخها، ووصلت إلى أسوأ مراحلها في تسعينيات القرن الماضي مع فرض الولايات المتحدة لعقوبات اقتصادية شاملة على الحكومة السودانية ،التي يقودها الإسلاميون .
ففي أعقاب الانقلاب العسكري الذي قادة عمر البشير بالتعاون مع الجبهة الإسلامية بقيادة حسن الترابي في عام 1989، علقت الولايات المتحدة مجمل مساعداتها للسودان.
وزاد تدهور العلاقات مطلع التسعينيات إثر دعم السودان لجماعات إسلامية متشددة وإعلان وقوفه مع العراق في غزوه للكويت.
وفي عام 1993 صنفت الولايات المتحدة السودان ضمن الدول الراعية للإرهاب.
وعلقت واشنطن لاحقاً عمل سفارتها في الخرطوم في عام 1996.
وفي عام 1997، أصدر الرئيس الأمريكي، بيل كلينتون، أمرا تنفيذيا بفرض عقوبات اقتصادية ومالية وتجارية شاملة على السودان أثرت كثيرا على الاقتصاد والبيئة الاستثمارية في السودان.
وفي أغسطس 1998 ،ضربت الولايات المتحدة بصواريخ كروز منشآت في العاصمة السودانية الخرطوم في أعقاب تفجير السفارتين الأمريكيتين في تنزانيا وكينيا.
وكان السفير الأمريكي توم كارني غادر الخرطوم قبيل هذا القصف ثم اقتصر التمثيل الدبلوماسي على قائم بالاعمال.
منذ مايو عام 2000 ، سعى نظام عمر البشير إلى إلى تحسين علاقاته مع الولايات المتحدة، وفتح حوار ثنائي معها في سياق جهود مكافحة الإرهاب، وبحسب موقع السفارة الأمريكية في الخرطوم، أبدى السودان تعاونا جادا في مكافحة الإرهاب الدولي لاسيما بعد هجمات سبتمبر 2001.
وأعلن الرئيس الأمريكى باراك أوباما ،رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان.
وتدخلت الولايات المتحدة في دفع مسار المفاوضات بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان التي انتهت بتوقيع اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا بكينيا، والتي أنهت أكثر من عقدين من الحرب الأهلية في السودان ،ومهدت لاحقا للاستفتاء على انفصال جنوب السودان وقيام دولة جنوب السودان في عام 2011.
كما كان لتعقيدات الحرب بين الحكومة والميلشيات التي تدعمها وحركات التمرد المسلحة في دارفور أثرها أيضا على العلاقات بين البلدين، إذ فرضت واشنطن عقوبات جديدة على السودان في مايو عام 2007 ،شملت تجميد أصول مواطنين سودانيين ضالعين بارتكاب أعمال عنف في دارفور فضلاً عن شركات تملكها أو تديرها الحكومة السودانية.
وقد استحدثت إدارة الرئيس الأمريكي، جورج بوش الابن، في عام 2001 منصب مبعوث رئاسي خاص للسلام في السودان تولاه أكثر من دبلوماسي أمريكي.
كما عين الرئيس الأمريكي باراك أوباما في عام 2009 الميجر جنرال جي سكوت غرايشن مبعوثا أمريكيا خاصا للسودان.
وفي 19 أكتوبر 2009، أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للتعامل مع السودان والتي قامت على ثلاثة أسس شملت إنهاء النزاعات وانتهاكات حقوق الإنسان وعمليات الإبادة في دارفور، وتطبيق اتفاقية السلام الشامل بين الشمال والجنوب، والتأكد من أن السودان لن يوفر ملاذا آمنا للإرهابيين الدوليين.
وفي مطلع يناير، أعلن الرئيس أوباما قرار رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان، على أن يبدأ العمل به بعد ستة أشهر، ويخضع لمراجعة سنوية.
وتحسنت العلاقات بين واشنطن والخرطوم منذ الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في 2018 م، وتشكيل حكومة انتقالية مدنية.
وجاء إعلان وزير الخارجية الأمريكي عن قرب موعد تبادل السفراء مؤشرا على هذا التحسن الذي وصفه بالمستمر “مع عمل الحكومة الانتقالية التي يقودها مدنيون على تنفيذ الإصلاحات الواسعة النطاق الواردة في الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري”.
وبدوره قال رئيس وزراء الحكومة السودانية الانتقالية د.عبد الله حمدوك : “إن توطيد العلاقات الدبلوماسية الدولية يعتبر معلماً هاماُ في خارطة التنمية. بعد انقطاع دام 23 عاما، من العظيم أن نشهد بدء عملية تبادل السفراء بين السودان والولايات المتحدة الأمريكية.
هذه خطوة مهمة نحو إعادة بناء السودان”.
وعقب انقلاب 25 أكتوبر في العام 2021 م، بقيادة قائد الجيش ، عبدالفتاح البرهان ،والإطاحة بالحكومة المدنية ، توترت العلاقات قليلاً مع الولاياتالمتحدة.
وبعد اندلاع الحرب بن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023 م، دعت الولايات المتحدة لإنهاء الحرب ودعمت منبر جدة التفاوضي.
لكن لم تظهر أمريكا جدية واضحة حيث استمرت الحرب لعام كامل ثم دخلت عامها الثاني.
*دوافع تحركات واشنطن لإنهاء الحرب
لقد تدحرجت كرة الثلج وباتت تشكل مصدر خطر على المنطقة برمتها.
لقد أفرزت حرب السودان واقعاً كارثياً إمتد أثره لدول المنطقة.
لقد تعالت الأصوات الدولية من منظمات ودول حول كارثة حرب السودان.
وعلى سبيل المثال حذرت (لجنة الإنقاذ الدولية) من أن الأزمة الإنسانية في السودان ستتفاقم أكثر ،ما لم يتخذ المجتمع الدولي إجراءات حازمة لمعالجة الوضع الذي مزقته الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع.
وأشارت اللجنة في تقرير أصدرته في نيويورك، إلى أن تقديرات ضحايا الحرب في السودان تصل إلى 150 ألف شخص، أي أعلى بكثير من التقديرات المعلنة والتي تتحدث عن 15 ألف قتيل.
وقالت اللجنة “بدون تحول في النهج الدولي من الجمود إلى العمل، فإن السودان يواجه خطر التمزق بسبب الصراع، مع ما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة على ملايين المدنيين والأمن الإقليمي”.
وأضافت أن السودان يواجه بالفعل أزمتين مزدوجتين تتمثلان في أكبر عدد من النازحين داخلياً في العالم، حيث فر 12 مليون شخص من بيوتهم منذ بدء الاشتباكات، منهم 10 ملايين داخل السودان ومليونان إلى بلدان مجاورة. كما أن 25 مليون شخص من سكان البلاد البالغ عددهم نحو 42 مليون نسمة في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية والحماية.
في حين يواجه 18 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي الحاد في ظل نقص في الغذاء والمياه والدواء والوقود.
وألقت اللجنة باللوم على جنرالات الجيش السوداني والقوى الإقليمية والمجتمع الدولي في “خذلان شعب السودان، مما أدى إلى كارثة إنسانية متفاقمة”.
ودعت اللجنة إلى دفع دولي أكبر نحو تعزيز السلام في السودان وإعادة ضبط الاستجابة الإنسانية بشكل عام.
* مخاوف ومصالح
لقد أظهرت واشنطن الآن جدية واضحة لإنهاء الحرب في السودان.
دعت الولايات المتحدة طرفي الحرب ،الجيش والدعم السريع لمحادثات سلام في جنيف لاسكات بندقية الحرب وحددت يوم 14أغسطس المقبل.
لقد ألقت الأزمة الإنسانية بظلالها
فقد استفاقت واشنطن على التكلفة البشرية الكبيرة لهذه الحرب.
وشكلت المجاعة في دارفور عامل أخلاقي وإنساني .
اما من الناحية الأمنية فتتخوف واشنطن من انتقال الحرب إلى دول الجوار وخاصة إثيوبيا وأريتريا
لقد اوضحت تقارير إعلامية أن 60 الف مقاتل من جماعة فانو الإثيوبية تقاتل إلى جانب الدعم السريع.
وهذه الجماعة مدعومة من نظام الرئيس اسياس افورقي،وهو مايعجل باشتعال المنطقة ،خاصة وأن قوات الدعم السريع باتت على مقربة من مدينة الدمازين وبالتالي قريبة من حدود إثيوبيا.
وفي شرق السودان اقتربت قوات الدعم السريع من مدينة القضارف الحدودية ،وبالتالي انتقال الحرب إلى أريتريا واثيوبيا وربما حدوث مواجهة عسكرية بين اسمرة واديس أبابا.
وفي حال انفجار الوضع ستشتعل المنطقة برمتها ،وهذه ستكون كارثة تهدد الأمن الدولي.
اما اقتراب الدعم السريع من شمال السودان ،فإن هذا الوضع العسكري سيكون مهدداً للأمن القومي المصري.
الأمر الآخر يريد الحزبان الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة تسجيل نقاط انتخابية في ملف حرب السودان.
وبالإضافة لذلك يعتبر الوجود الروسي في هذا البلد ،خسارة فادحة لأمريكا.
لذلك لكل هذه العوامل حسمت واشنطن أمرها لوقف هذه الحرب ،التي ستجني ثمار إعادة إعمار هذا البلد الغني الواعد عبر الشركات العملاقة عبر شراكات إنتاج الغاز الواعد في هذا البلد بالإضافة للنفط والذهب وتشييد البنيات التحتية وخلافه.
*كروت الضغط
يتضح جلياً جدية الولايات المتحدة في طي صفحة حرب السودان.
ويعكس التمثيل الرفيع لمحادثات جنيف بحسب مصادر الأهمية القصوى لملف السودان.
فأروقة مباحثات جنيف ستشهد حضور أمريكي رفيع تمثل فيه وزارة الخارجية و(السي آى اي) ووزارة العدل بالإضافة للمنظمة الأمريكية للتنمية الخارجية.
ويضم الوفد متخصصين في كل المجالات ،الأمر الذي يعكس عزم واشنطن على إنهاء حرب السودان قبل نهاية العام.
تريد أمريكا كسباً انتخابياً من وراء إنهاء حرب السودان ،ينعكس على سياستها الخارجية التي فشل فيها بلنكن في ملف حرب أوكرانيا، والتمدد الروسي في أفريقيا.
سيمثل إنهاء حرب السودان انتصاراً كبيراً في ظل الوجود الروسي العسكري الخطير في البحر الأحمر داخل السودان ،وهذا الوجود الروسي يمثل تهديداً خطيرا لأمريكا ومصالحها في المنطقة.
فروسيا لاتمتلك أي قاعدة عسكرية في المنطقة برمتها سوى في طرطوس السورية.
وكذلك التمدد الإيراني الأخير في السودان الذي تم بعد اندلاع الحرب.
تملك أمريكا وسائل ضغط كبيرة وفعالة ضد طرفي الحرب في السودان.
فبامكانها على سبيل المثال منع الجيش السوداني من الحصول على تمويل لمشاريعه.
كما يمكنها التضييق اقتصادياً ايضاً على الدعم السريع وشبكاته التجارية والاقتصادية في الخارج.
بل والضغط على الدعم السريع عبر حلفائه.
أيضاً باستطاعة الولايات المتحدة استخدام كرت المحكمة الجنائية الدولية وتحريك ملفات الانتهاكات وجرائم الحرب ضد المدنيين
فالأدلة موجودة وموثقة.
Source link