أخبار العالمأخبار محلية

الجرائم البشعة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع ضد التراث التعليمي والثقافي في السودان يجب ألا تمر دون عقاب

بقلم: برهاني تاكلو-نقا
كاتب اثيوبي

المقدمة:
تُعد جامعة الخرطوم أقدم وأعرق مؤسسة للتعليم العالي في السودان، بجذور ممتدة إلى تاريخ البلاد الاستعماري وما بعد الاستقلال. تأسست الجامعة في عام 1902 تحت اسم “كلية غوردون التذكارية”، تخليدًا لذكرى الجنرال البريطاني تشارلز غوردون الذي قُتل خلال حصار الخرطوم عام 1885. بدأت الكلية كمؤسسة للتعليم الثانوي والتدريب المهني، موجهة لإعداد الكوادر الإدارية لخدمة الحكم الاستعماري، ثم توسعت تدريجيًا لتشمل برامج متقدمة مثل الهندسة والتعليم والطب. وفي عام 1945، ارتبطت بجامعة لندن، ما أتاح لها منح شهادات جامعية معترف بها دوليًا. ومع الوقت، تحولت إلى مركز للتعليم العالي، وأُعيدت تسميتها بـ”كلية الخرطوم الجامعية” في عام 1951 بعد اندماجها مع “مدرسة كتشنر الطبية”.
مع استقلال السودان عام 1956، أصبحت الجامعة رمزًا للفخر الوطني والتقدم الفكري، ولعبت دورًا محوريًا في تشكيل المشهد السياسي والأكاديمي والثقافي في البلاد، حيث تخرج منها العديد من القادة البارزين، بمن فيهم رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي، وغيرهم من الشخصيات المؤثرة. عُرفت الجامعة بتميزها الأكاديمي وبنشاطها السياسي، خاصة من خلال الدور الذي لعبه طلابها في ثورة أكتوبر 1964.
ورغم هذا الإرث، واجهت الجامعة تحديات متكررة، بما في ذلك الإغلاقات خلال فترات الاضطرابات السياسية، والأضرار التي لحقت بها بسبب الحرب الأهلية السودانية المستمرة، حيث كانت هدفًا لهجمات قوات الدعم السريع، مما أدى إلى تدمير هائل لحرمها وممتلكاتها الفكرية.
الجانب الأقل شهرة في جامعة الخرطوم هو دورها البارز في الحفاظ على التراث الثقافي والفكري للسودان من خلال مؤسساتها المتخصصة ومجموعاتها الفريدة. تضم الجامعة “مكتبة السودان”، التي تُعد أهم مكتبة في البلاد، حيث تحفظ المخطوطات النادرة والأرشيف والوثائق المرتبطة بتاريخ السودان وثقافته. كما تحتضن “متحف التاريخ الطبيعي”، الذي يعرض التنوع البيئي والبيولوجي للسودان. إضافةً إلى ذلك، تشارك الجامعة في مشاريع عالمية، مثل برنامج “كراسي اليونسكو”، الذي يركز على دراسات التصحر وزراعة الصحارى وأخلاقيات البيولوجيا.
في عام 2018، أصبحت جامعة الخرطوم أول مؤسسة سودانية تتعاون مع مشروع “ذاكرة السودان”، الذي يهدف إلى رقمنة وحفظ المواد التاريخية والثقافية عبر تقنيات المسح الضوئي المتقدمة.
هذه الجهود تعزز مكانة الجامعة ليس فقط كمؤسسة أكاديمية، بل كحامية للهوية الوطنية والتاريخية — وهو جانب غالبًا ما يُطغى عليه عند الحديث عن إنجازاتها التعليمية.

جرائم قوات الدعم السريع وانتهاكاتها للقانون الإنساني الدولي:
إن استهداف جامعة الخرطوم لا يقتصر على تدمير البنية التحتية فقط؛ بل هو هجوم على الأسس الفكرية والثقافية للسودان. تحمي القوانين الإنسانية الدولية المؤسسات التعليمية والثقافية خلال النزاعات المسلحة، وبالتالي فإن استهدافها يُعد جريمة حرب.
وفقًا للقوانين الدولية:

المادة 52 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف: تحظر الهجمات على الأعيان المدنية، بما في ذلك المدارس والجامعات، ما لم تُستخدم لأغراض عسكرية. ولم يُثبت مطلقًا أن جامعة الخرطوم كانت هدفًا عسكريًا، ما يجعل استهدافها انتهاكًا صارخًا للقانون.

المادة 53 من البروتوكول الإضافي الأول: تحظر بشكل صريح الهجمات على المواقع الثقافية والتاريخية، إدراكًا للقيمة الدائمة للمؤسسات الفكرية والتراثية للأجيال القادمة.

المادة 8(2)(ب)(9) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية: تصنف الاستهداف المتعمد للمباني المخصصة للتعليم والدين والفنون والعلوم كجريمة حرب.

اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة تشدد هذه الاتفاقية على ضرورة حماية الممتلكات الثقافية والمؤسسات التعليمية والمواقع التاريخية من الدمار خلال الحرب.

من خلال انتهاك هذه القوانين، ارتكبت قوات الدعم السريع جرائم حرب واضحة. فالتدمير المتعمد للجامعة لا يُمثل مجرد خسارة مادية، بل هو محاولة ممنهجة لحرمان السودان من مستقبله عبر القضاء على فرص التعليم والنمو الفكري.

حجم الدمار:
هجمات شارع النيل
مثال صارخ على هذه الجرائم كان الهجوم العنيف لقوات الدعم السريع على شارع النيل، الذي يضم جزءًا من حرم جامعة الخرطوم. لم تقتصر القوات على استهداف المتظاهرين، بل قامت بنهب وتخريب ممتلكات الجامعة، بما في ذلك المعامل البحثية والمكتبات وقاعات المحاضرات. وأفاد شهود عيان بسرقة أو تدمير الكتب والمخطوطات النادرة والأجهزة الإلكترونية، في مشهد يعكس حملة ممنهجة لمحو الإرث الفكري وتعطيل تقدم البلاد.
دعوة إلى العدالة:
محاسبة قوات الدعم السريع
لا يمكن للمجتمع الدولي أن يظل صامتًا أمام الجرائم المنهجية التي ارتكبتها قوات الدعم السريع ضد المؤسسات التعليمية والثقافية في السودان ، يجب تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة عبر آليات قانونية دولية، بما في ذلك:

المحكمة الجنائية الدولية (ICC):
فتح تحقيقات ومحاكمة قادة الدعم السريع بموجب المادة 8(2)(ب)(9) من نظام روما الأساسي.

العقوبات والتجميد المالي:
فرض عقوبات محددة على قادة الدعم السريع ووقف تدفقات الأموال التي تدعم عملياتهم.

إعادة بناء التعليم:
دعم إعادة إعمار الجامعات والمدارس والمكتبات بالتعاون بين الاتحاد الإفريقي واليونسكو.

العزل الدبلوماسي:
الضغط على الدول التي تدعم قوات الدعم السريع لوقف علاقاتها معها والالتزام بالقانون الدولي.

الخاتمة:
لا تسامح مع الجرائم ضد الثقافة والتعليم
الجامعة ليست مجرد مبنى؛ إنها رمز لصمود السودان ومعرفته ومستقبله. ما حدث لجامعة الخرطوم هو اعتداء على ذاكرة السودان، وتدميرها هو محاولة للقضاء على هوية الأمة. لا بد أن يُحاسب مرتكبو هذه الجرائم، وأن تتحد جهود المجتمع الدولي لحماية التعليم والثقافة من نيران الحرب.
السودان يستحق مستقبلاً مبنيًا على العدل، لا على التفاوض مع من دمروا ماضيه.
____

برهاني تكلو-نقا
كلية الحقوق بجامعة هارفارد، جامعة بوسطن، وجامعة تافتس/كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية


Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى